أحمد ياسوف
100
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وكذلك برزت هذه النظرة في الولع بالقاعدة والتفريع ، ويبدو أنهم استعانوا بالمنطق لأجل التقسيمات وجلاء المصطلحات ، وليس للخبرة النفسية ، والاستدلال العقلي ، فأبعدوا البلاغة القرآنية عن التذوق بعد فترة صعودها على يد الجرجاني والزمخشري . لقد كان همّ واحدهم أن يقسم الكناية على أقسام ، والاستعارة على أقسام ، وهكذا في تقنين مستمر معقّد كتقسيم الرماني البلاغة على عشرة أقسام ، وصار يكفي الدارس التعريف المختزل وبعض الآيات ، والقصائد المطوّلة أحيانا ، ليقرر أن في القرآن كنايات لطيفة مثلا . ولا يعني هذا أبدا أن الدارس المعاصر محصّن من هذا الإجمال ، فالرافعي رحمه اللّه أوضح مثال على الانبهار الشديد في كتابه « إعجاز القرآن والبلاغة النبوية » فلم تسعفه الوسائل في كل مرة ، إذ يسيطر الانبهار والعاطفة الدينية إزاء نص عظيم ، وقد ملأ الصفحات كما يقول العقاد رحمه اللّه : « عبر أكثر من مائتي صفحة لا يكاد يلمّ بشاهد من آية قرآنية ، أو أصل واحد مقرر من أصول البلاغة » « 1 » . وهذا ما نهجه أيضا في القسم الثاني من كتابه حول البلاغة النبوية ، غير أنه يصح في أول كتاب الرافعي ولا ينبغي أن نبخسه حقه ، فله وقفات ذكية في كلمة واحدة ، بل في حركة من الكتاب الكريم ، وهذا ما يشفع له ، ويبيّن إجحاف العقاد الذي رأى أن النظم الموسيقى كذلك غير سار في القرآن كله ، كما تراءى للجرجاني اقتصار التصوير على بعض الآيات ، فنفى أن يكون الإعجاز فيه . لقد وقع تطبيق الرافعي الذي يعد شفيعا له على آيات متناثرة ، ربما
--> ( 1 ) ساعات بين الكتب عباس محمود العقاد ، ص 10 ، وانظر إعجاز القرآن ، للرافعي ، ص 188 - 208 وغيرها .